صفي الرحمان مباركفوري

26

الرحيق المختوم

الحالة السياسية قد ذكرنا حكام العرب ، والآن آن لنا أن نذكر جملة من أحوالهم السياسية ، فالأقطار الثلاثة التي كانت مجاورة للأجانب كانت حالتها السياسية في تضعضع وانحطاط لا مزيد عليه ، فقد كان الناس بين سادة وعبيد ، أو حكام وحكومين ، فالسادة - ولا سيما الأجانب - لهم كل الغنم ، والعبيد عليهم كل الغرم ، وبعبارة أوضح إن الرعايا كانت بمثابة مزرعة تورد المحصولات إلى الحكومات ، فتستخدمها في ملذاتها وشهواتها ، ورغائبها ، وجورها ، وعدوانها . أما الناس فهم في عمايتهم يتخبطون ، والظلم ينحط عليهم من كل جانب وما في استطاعتهم التذمر والشكوى ، بل هم يسامون الخسف ، والجور ، والعذاب ألوانا ساكتين ، فقد كان الحكم استبداديا ، والحقوق ضائعة مهدورة ، والقبائل المجاورة لهذه الأقطار مذبذبون تتقاذفهم الأهواء والأغراض ، مرة يدخلون في أهل العراق ، ومرة يدخلون في أهل الشام ، وكانت أحوال القبائل داخل الجزيرة مفككة الأوصال ، تغلب عليها المنازعات القبلية والاختلافات العنصرية والدينية حتى قال ناطقهم : وما أنا إلا من غزية إن غوت * غويت ، وإن ترشد غزية أرشد ولم يكن لهم ملك يدعم استقلالهم ، أو مرجع يرجعون إليه ، ويعتمدون عليه وقت الشدائد . وأما حكومة الحجاز ، فقد كانت تنظر إليها العرب نظرة تقدير واحترام ، ويرونها قادة وسدنة المركز الديني ، وكانت تلك الحكومة في الحقيقة خليطا من الصدارة الدنيوية والحكومية والزعامة الدينية ، حكمت بين العرب باسم الزعامة الدينية ، وحكمت في الحرم وما والاه بصفتها حكومة تشرف على مصالح الوافدين إلى البيت ، وتنفذ حكم شريعة إبراهيم ، وكانت لها من الدوائر والتشكيلات ما يشابه دوائر البرلمان - كما أسلفنا - ولكن هذه الحكومة كانت ضعيفة لا تقدر على حمل العبء كما وضح يوم غزو الأحباش .